قطب الدين الراوندي

56

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

المبلغ والمتجر المربح ( 1 ) . أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم ، وتيقنوا أنهم جيران اللَّه غدا في آخرتهم ، لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة . فاحذروا عباد اللَّه الموت وقربه ، وأعدوا له عدته ، فان يأتي بأمر عظيم وخطب جليل . بخير لا يكون معه شر أبدا ، أو شر لا يكون معه خير أبدا . فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ، ومن أقرب إلى النار من عاملها . وأنتم طرداء الموت ، ان أقمتم له أخذكم ، وان فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلكم . الموت معقود بنواصيكم ، والدنيا تطوى من ( 2 ) خلفكم . واحذروا نارا قعرها بعيد ، وحرها شديد ، وعذابها جديد . دار ليس فيها رحمة ، ولا تسمع فيها دعوة ، ولا تفرج فيها كربة . وان استطعتم أن يشتد خوفكم من اللَّه ، وان يحسن ظنكم به فأجمعوا بينهما ، فان العبد انما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه ، وان أحسن الناس ظنا باللَّه أشدهم خوفا للَّه . واعلم يا محمد بن أبي بكر إني وليتك ( 3 ) أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر ، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك ، وان تنافح عن دينك . ولو لم تكن لك إلا ساعة من الدهر فلا تسخط اللَّه برضا أحد من خلقه ، فان في اللَّه خلفا من غيره ، وليس من اللَّه خلف في غيره .

--> ( 1 ) في نا ، يد ، الف ، ب : الرابح . ( 2 ) في ب : ممن . ( 3 ) في ب ، يد ، نا : قد وليتك .